حول الترجمة العربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حول الترجمة العربية

مُساهمة من طرف SADOUN في السبت 15 ديسمبر 2012 - 23:43


لوحظ في السنوات الأخيرة من القرن العشرين وفي السنوات القليلة الأولى من القرن الحالي التفات قوي في الوطن العربي باتجاه الترجمة. وبعد أن كانت الترجمة مهملة نسبياً في مجال النشاط الثقافي العربي، كما تدل على ذلك المتابعات المسحية لليونسكو، ولاسيما الإصدار الدوري : فهرس الترجمة Index Translationum الذي يتابع تطورات نشر الكتب المترجمة في جميع أنحاء العالم.
وتشير القوائم المنشورة حتى أواخر القرن العشرين في هذا الدليل حول النشاط الترجمي في البلاد العربية، تشير إلى فقر شديد في هذا المجال بالمقارنة مع بلدان العالم الأخرى من الناحيتين الكمية والكيفية، ولا يكاد يوجد أثر لخطط مستقبلية أو تخصصية، اللهم إلا ما تفعله وزارات الثقافة والهيئات الرسمية أو شبه الرسمية من ناحية تخصيص سلاسل معينة حسب موضوعات مختارة مع تفاوت كبير بهذا الشأن بين كل قطر عربي وآخر. ويأتي في مقدمة هذه الخطط المشروع المتميز الذي سبق إليه المجلس الوطني للثقافة في دولة الكويت تحت اسم "عالم المعرفة" وهي سلسلة متميزة في اختيار الموضوعات وكذلك في دقة الترجمة. وتلاه بعد ذلك بزمن مشروع الشامل للمجلس الأعلى للثقافة في مصر العربية الذي سبقته في مصر موجات جادة من الاهتمام بالترجمة. إلا أن مثل هذا المشروع وسواه من مشروعاتٍ أضيق نطاقاً مثل الجهود الترجمية لوزارات الثقافة في كل من سوريا والعراق وأقطار عربية أخرى قد مضت دون أي تقييم منهجي سوى التقييم الكمي والمعرفي أي عدد المنشورات المترجمة وأحياناً تنوعات تخصصها، مع تفاوت بين كل مشروع وآخر. وهذه كلها جهود رسمية غير خاضعة لقانون العرض والطلب. والى ذلك كانت هناك دائماً إصدارات سباقة لدور النشر غير الرسمية ولاسيما في لبنان ومصر وكان تركيزها بطبيعة الحال على الإنتاج العالمي الرائج، ولاسيما في المجالات الأدبية والسياسية والترفيهية، ولبعضها سبقُ في إصدار المعاجم أيضاً. كما ظهرت في الآونة الأخيرة مشروعات ترجمة شاملة وجريئة في دول الخليج العربي. وهناك مشروعات أخرى تمولها وتديرها دول أجنبية. ( )
وهناك إجماع واضح على أن الترجمة العربية كانت (وربما ما زالت) شبه سائبة، أي يختلط فيها الحابل والنابل، وتفتقر إلى معايير للتقييم، سواء من ناحية الأمانة العلمية أو من ناحية السلامة اللغوية للّغة المستهدفة Target Language ، وهي غالباً اللغة العربية، وهذا هو العجب العجاب.
وهناك استثناء وحيد هو ما تنشره المجلات الأدبية بين حين وآخر من مساجلات ومشاحنات بشأن بعض الترجمات – ولاسيما الأدبية والفكرية – التي ينشرها أساتذة ومترجمون لهم مكانة رفيعة. وبوجه عام ظلت النظرة إلى الترجمة مشوبة بشيء من التصنيفية السلبية، أي اعتبار الترجمة عملاً مكملاً وبعيداً عن الإبداع ولا يستحق التدقيق.
وحتى يوم الناس هذا يصعب أن يطمئن المرء إلى وجود تغيُّر في الموقف العام من الترجمة، اللهم إلا من الناحية الكمية التي تتمثل في الجوانب التالية:
- زيادة ملحوظة في عدد المؤهلين المقبلين على مهنة الترجمة بينما كانت تعدُّ مهنة إضافية، أي عملاً مكملاً لأنواع أخرى من المهن ولاسيما تدريس اللغات الأجنبية.
- زيادة في كمية الإنتاج الترجمي، أي في عدد الترجمات المنشورة، إلا أن هذه الزيادة يجب أن تقاس من خلال منظور نسبي أي ليس بالمقارنة مع الوضع السابق في الوطن العربي، ولكنها إذا قورنت بالزيادة شبه الخيالية في النشاط الترجمي على المستوى العالمي تبدو باهتة شأنها شأن أنواع النشاط المعرفي الأخرى في الوطن العربي.
- قفزة في مجال مؤتمرات الترجمة على المستوى العربي الشامل في بضع السنوات الأولى من القرن الجديد، على حين كانت هناك ملتقيات محدودة في بعض الأقطار العربية، أو كانت هناك بنود محددة حول الترجمة كما حدث أحياناً في : مؤتمرات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. وذلك كله إلى جانب نشاطات محدودة في بعض الجامعات العربية. ويلاحظ أنه خلال السنوات القليلة الماضية عقدت مؤتمرات مهمة جداً في مجال الترجمة على المستوى العربي الشامل. وذلك إلى جانب نشوء مؤسسات متخصصة بالترجمة، غالباً بفضل أفراد أثرياء محبين للمعرفة، وأحياناً أخرى بمبادرة من هيئات المجتمع المدني وبدعم من العاملين في مجالات الترجمة، وأحياناً أخرى من خلال مؤسسات عربية جامعة مثل "المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم". (أنشأت للمركز العربي للتعريب والترجمة والنشر والتأليف وخصصت له ميزانية سنوية لا تكفي لأي بند من هذه البنود العريضة). ثم كانت النقلة الرسمية باتجاه الترجمة من خلال إنشاء "المنظمة العربية للترجمة".
وهكذا جاءت القفزة المذهلة من خلال تعدد مراكز الترجمة ومؤسساتها في الوطن العربي، ولاسيما في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومناطق أخرى من الخليج العربي، وقد جرت الإشارة سابقاً إلى سبق المجلس الوطني للثقافة في دولة الكويت بالإنجاز المبكر لمشروع "عالم المعرفة" ، كأنما العرب أفاقوا فجأة على أهمية الترجمة، وبدأوا كالعادة يتنافسون في افتتاح المراكز، وإنشاء دبلومات الترجمة في الجامعات ولكن دون أي اهتمام بالتنسيق أو التكامل أو تجنب تكرار الجهود والتمويل للهدف الواحد.
هذا من الناحية الكمية، وكله خير وبركة. ولكن يلاحظ أن قانون التحولات الكمية باتجاه تبلور كيفي يصعب أن ينطبق على الإنتاج المعرفي الحالي في البلاد العربية، حتى في مجال الترجمات الأدبية والفكرية ذات الموضوع الراقي، وذلك بسبب فقدان المعايير واضطراب ترجمة المصطلح وغياب أي منظومة للتقييم والنقد متفق ٍ عليها اتفاقاً ملفوظاً أو ملحوظاً. ونادراً ما نقرأ في الدراسات الأدبية أية بحوث معمقة حول المستوى الفني واللغوي للترجمات، بل مستوى الأداء والأمانة، باستثناء المشاحنات التي تثار في الجرائد والدوريات العامة. ومن المأمول أن يقود التقدم الملحوظ في الدراسات النظرية حول الترجمة إلى التوصل لما يشبه المعايير العامة.
أخيراً:
تذكرنا هذه المنافسة وهذه التعددية بمقالة ميخائيل نعيمة المشهورة في أوائل القرن الماضي بعنوان "فلنترجم". إذ تأخرت قراءتها حوالي قرن من الزمان. ولاشك أن جميع العاملين في المجالات العامة يعرفون جيداً أن هذه الظاهرة التنافسية التكرارية واردة جداً في مختلف مستويات العمل السياسي والاجتماعي والثقافي العربي. وقد أسميتها في بعض دراساتي بظاهرة التفكير الموجي عند العرب، إذ إن قانون التفكير الجماعي عند عرب هذا العصر يأتي على شكل موجات، فيوماً فلسطين وبعدها الوحدة العربية، وبعدها السلام العادل، وبعدها الديمقراطية، وهي انتقالات لا تعني أن كل موجة استنفدت أغراضها، وإنما تأتي تهرباً من الالتزامات (غير اللفظية) المترتبة على كل موجة من الموجات العارمة.

_________________
Icon Icon

SADOUN
Admin
Admin

انثى الجدي عدد المساهمات : 1173
تاريخ التسجيل : 03/04/2009
العمر : 29

http://www.facebook.com/Langue.Traduction

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى