شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
SADOUN
Admin
Admin
انثى الجدي عدد المساهمات : 1173
تاريخ التسجيل : 03/04/2009
العمر : 30
http://www.facebook.com/Langue.Traduction

حوار الحضارات و المبادئ الفكرية

في الثلاثاء 15 سبتمبر 2009 - 20:06
************
حوار الحضارات و المبادئ الفكرية
بسم الله الرحمن الرحیم
بقلم: غریب رضا
تشعّب الآراء و جهات النظر المختلفة ظاهرة لايمكن أحد إنكارها. هذه المبادئ المنوّعة تؤثّر بدورها في مسألة حوار الحضارات. الحوار بنفسه من الأمور التي تقبل في مسيرة تحققها الإتجاهات المختلفة بل يمكن توجيه الحوار من رؤى متضادة و متقابلة.
إنّ المبادئ الفكرية التي يبني عليها الحوار هي التي تعطيه روحه و تبيّن له نوع حركته، فكلّ اتجاه يفسّر الحوار بطريقة تختلف عن الآخر و ذلك بحسب ما تمليه عليه آراؤه، فهناك تأثير مباشر للمبادئ النظرية في توجيه مسائل الحوار.
نريد الآن أن ننظر إلى مسألة علاقة الدين بالحكم من منظارين مختلفين ثمّ ندرس آثار مواقف كلّ من الإتجاهين في مشروع حوار الحضارات.
مسألة علاقة الشريعة الإلهية بالحكم من أهم المسائل الكلامية التي كثر النقاش فيها في الأوساط العلميّة و أوجدت تبعاّ لها تيّارات سياسيّة لاترى في مهمّة الشريعة السماوية التدخل في شؤون السياسيّة بل تنظر إلى الدين كظاهرة روحانية قدسية تدعو الإنسان إلى التزكية و الإتبعاد عن الرذائل الأخلاقية و أقصى عمل الدين-بحسب تلك الرؤية- أن يغيّلا الإنسان إلى موجود سماويّ قدسيّ. ثمّ يتساءل مستنكراً: و ما علاقة ذلك بالمسائل السياسي؟ العبادة صلة العبد بالرّب و يتكفلها الدين و السياسية تدبير صلة الناس بعضهم ببعض و يتقبّل دورها العقل البشريّ.
ثمّ هذا التيّار ينظرة إلى تطور التقنية في بعض البلدان و يقسّم البلدان على هذا الأساس إلى البلدان المتقدمة و المتخلّفة و يسعى أن يقرّب بلده –حسب ما يدّعي- إلى البلدان النامية ثقافياً و حضارياً و يرى ذلك أكبر خدمة لبلده و تهتزّ نفسه لذلك.
فمن ير مثل هذه الرؤية تجده في ساحة الحوار منفعلاً فيده خالية من إرائة أنظمة لإدارة المجتمع، فلا شئ لديه لحلّ المعضلات الإقتصادية و لاحلول عنده لرفع الأزمات الثقافية . و ما عنده على الأكثر بحوث و تحقيقات في الرؤى التي استوردها من الغرب و ما أشبه هذا باستجواب تلميذ تلقّى الدرس عن معلّمه فأخذ يلقيه عليه الآن. فليس من الممكن أن نسمّي هذا الإنفعال حواراً، بل الحوار بمعناه الأصيل هو مفاعلة من الجانبين و ليس إفادة من طرف و استماع من الآخر.
هذه الرؤية تقف مقابل الرؤية التي ترى الحوار مفاعلة ناشطة. و هذه المفاعلة لاتأتي إلا من منطلق فكرة توحي بأنّ الدين دستور شامل يجد الإنسان فيه ما يحتاج في الدنيا و الآخرة. فصاحب هذه الفكرة لايحبس الدين في زوايا المساجد و لايحصره في الأمور الفردية العبادية بل ينظر إليه كنهر صاف يجري في جميع جداول الحياة، و يروي ظمأ الإنسان في مختلف شؤون حياته. و هذه الرؤية الشمولية تكشف زوايا من الدين قد خفي جمالها على عيون الناس طوال السنين. و الذي يعتنق الدين بهذا المنظار لايخالف التمدين و الحضارة، بل يسعى أكثر من الآخرين إلى إثراء الحضارة، لأنّه يرى الجهود في هذا المضمار كفاحاً و جهاداً في سبيل الله و خدمة لعياله، مستوحياً ذلك من الآيات القرآنية التي تطلب من الإنسان عمران الأرض.
و لاتعني شمولية الدين اشتماله على جميع الجزئيات مباشرة، و قد تصوّر البعض من الشمولية هذا الإشتمال و قد سبّب تصورّهم الخاطئ مناقشات في هذه الصفة للدين.
و نحن نرى في ذلك أنّ الله قد أعطانا منهجاً عامّاً للكون و لاتستلزم شمولية الدين أن نجد في الأحاديث مثلا مباحث حول الحاسوب أو طريقة صناعة السفن الفضائية، بل بيّنت الخطوط العريضة لحركة الإنسان، و تتشعّب منها فروع عملية يمكن الإنسان استخراجها من الخطوط الكليّة. تكفّل الشرع غرس هذه الجذور في صفحة الفكر و رغب إلى الإنسان أن يسقي هذا الشجر ليستفيد من ثماره، و تستلهم هذه الفكرة من خلال أحاديث المعصومين(عليهم السلام): (علينا القاء الأصول و عليكم التفريع) و إضافة إلى هذه الخطوط الكليّة قد زوّدنا الدين في بعض المسائل بالفروع العملية كذلك.
و لم تكتف الشريعة الإسلامية بهذا، بل سمحت للعقل أن يعطي نتاجاته لتسريع حركة الإنسان. و تبقى نقطة هامّة و هي أنّه ينبغي لمنتجات العقل البشري و المدارس التي تؤسسها الشريعة السماوية أن لاتتجاوز حدود الله التي وضعها لمصالح الإنسان، بل تكون تعابير أخرى للمفاهيم الإسلامية.
المشارك في الحوار- بناءً على هذه الرؤية- يجري على خارطة الحضارة المستوحاة من منظاره الديني. و هدف الإسلام من الحضارة معلوم: إنّ الله يريد حركة الإنسان و تقرّبه إليه و هذه الغاية لابد أن تراعى في كلّ ما يبدعه الإنسان و منه حضارته و ثقافته.
و كذا دور الإنسان التعبّدي معلوم في هذه الحضارة، الإنسان عبدالله. له فقر ذاتي يجذبه داخلياً إلى الخضوع أمام غني مطلق. و هذا الفقر لاينفكّ عنه مادام على جوهره و ذاته الإنسانية، لايحوله التمدين إلى ربّ يعيش في الأرض يدير جميع شؤونه، و لاصلة بينه و بين السماء، بل الحضارة الإسلامية حضارة تقرّب الإنسان إلى ربّه في جميع مرافق تمدينه. و نحن لسنا في الحوار نفرض على أحد هذه المفاهيم الأصيلة بل نمثّل في حقلها دور الدعاة إلى سبيل الله و نسعى أن ننجي الإنسان المعاصر من التفرعن الغربيّ الذي ساقه إلى قعر الجحيم. و ما نستقطبه من الحوار مع الغرب هو الفروع العملية التي تتبع الخطوط الكليّة المستنبطة من الشرع الإسلامي. كذلك لابأس بأن نأخذ عنه التطورات التي أنجزها في الحقول المختلفة و التي لاتمسّ حدود الشريعة.

***********
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى