الترجمة والفعل الحضاري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الترجمة والفعل الحضاري

مُساهمة من طرف SADOUN في الأربعاء 8 أبريل 2009 - 21:08

تقع الترجمة في منزلة مهمة في عملية تطور الحضارات، وتعد أحد المعايير العالية المصداقية للحكم على حيوية الحضارة وقدرتها على الاستمرار، و أحد أدوات قراءة التاريخ من خلال تتبع ورصد ديناميكية عملية الترجمة في بنية الحضارة والحياة الثقافية المرتبطة بها، ويمكن أن نعين مرحلتين جوهريتين في علاقة الترجمة بالحضارة، تتمثل الأولى في المرحلة المستقطبة والتي تقوم الحضارة خلالها بترجمة المدونات والنصوص من حضارات أخرى قديمة أو معاصرة لوجودها، وتتمثل الثانية في المرحلة المنتجة والتي تقوم الحضارة فيها بنقل مدوناتها ونصوصها إلى لغات أخرى لحضارات تكون غالبا ما تكون في طور النهضة، أي في بداية المرحلة الأولى (المستقطبة)، وبين المرحلتين تستقر الحضارة على ظاهرة مزدوجة ومتداخلة تتمثل في لغة السلطة وسلطة اللغة.

وإذا كانت اللغة بطبيعتها تكتسب حريتها وقدرتها على التطور في مرحلة الصراع المرافق لبداية الحضارة، فإن السلطة وبجميع صفاتها الإملائية وتجليات القوة التي تحملها في خطابها تصيب اللغة بحالة من البيات والسلبية، وتصبح عملية الترجمة في أقصى درجات التباطؤ حتى تدخل في مرحلة الانهيار الذي ما يأتي في معظم الحالات بصورة مفجعة، ويعد التاريخ الإسلامي تحديدا اعتبارا من العصر الأموي وحتى عصرنا الحالي، نموذجا متواصلا وخصبا لدراسة علاقة الحضارة بالترجمة حيث تتضح معالم هذه العلاقة بشكل متكامل.

بعد انقضاء مرحلة التأسيس وبداية ظهور السلطة البيروقراطية في الإسلام الأموي بعد انتقال السلطة لأبناء مروان، بدأت واحدة من أكبر عمليات الترجمة في التاريخ الإنساني وبتحكيم معايير المقارنة التاريخية تعد أهم عملية ترجمة في التاريخ كله، فالعملية برغم تركيزها على العلوم المادية مثلت عملية إنقاذ للمعرفة الإنسانية التي تركزت في الموروث الإغريقي وبخاصة بعد الموت الفجائي للغات الحضارات الكلاسيكية القديمة الفرعونية والسومرية والآشورية والفينيقية، العصر الأموي اتسم بالنهم في العمل على نقل تراث الحضارة الإغريقية وذلك يرجع أساسا لرغبة السلطة الأموية على تعزيز تقنياتها وأدواتها، إن الترجمة المادية صبغت الفترة الأموية التأسيسية وارتبطت الترجمة بمزاجية السلطة ورغباتها في تعزيز تقنياتها ومعارفها الدنيوية، وتباطأت الترجمة في العصر الأموي لسببين الأول يتعلق بعلاقة واعتمادية مؤسسة الترجمة النخبوية والمكلفة أيضا بالسلطة مما جعل انشغال السلطة في صراعاته الداخلية يكبح جموح حركة الترجمة، والثاني يتمحور حول الحضارة الإغريقية ذاتها التي استنزفت آثارها الباقية تحت وطأة الترجمة في السنوات الأولى من الحكم الأموي.

العصر العباسي أتى مختلفا في رؤيته للترجمة وفي الظروف التي حكمت عملية الترجمة بشكل عام، فلم تعد الترجمة عملية نخبوية تتمحور في بعض الأقليات السريانية أو التابعيات الرومانية وكبار العلماء، ولكن أصبحت عملية أكثر شعبية مع صعود العنصر الفارسي في الدولة العباسية، والتماهي الذي حدث سابقا للحرف العربي في اللغة الفارسية، وأتت الميول الشرقية لتضيف وفي المرحلة الثانية من عملية الترجمة الإسلامية البعد الروحي والفلسفي والإنساني الذي مثلت فيه فارس ناقلا إضافيا لتراث الحضارات الهندية والصينية القديمة، وكذلك أصبحت الترجمة تتميز بهامش أكبر من الإبداع والتصرف في المتون والنصوص الرئيسية، وإذا كنا نقترب من الحقيقة في توصيفنا للترجمة الأموية بالسلبية فإننا نلمس جوهر الحقيقة بتوصيفنا للترجمة العباسية بالإيجابية في التعاطي مع النص واستهلاكه.

ولكن ما التأثيرات التي يمكن أن نرصدها على اللغة العربية الموضوع الأساسي لعملية الترجمة؟ فأولا تستند اللغة العربية على نص مقدس وعمليتي اصطفاء وفرز تاريخيتين، وثانيا تجلت اللغة العربية كسلطة في المجتمع وأصبحت إجادة العربية وفنونها متطلبا أساسيا للترقي الاجتماعي، وثالثا أخذت اللغة العربية ناصية المبادرة في الفعل الحضاري العالمي ككل، وبذلك وصلت اللغة إلى مرحلة الرتابة والتقزم أمام السلطة لارتباطها في ذلك بممارسات السلطة وفلسفتها، وبرغم كثافة الترجمات في العصر العباسي إلا أنها لم تمثل المنبع لمرحلة الترجمة المنتجة، التي نشأت أساسا في الأطراف المستقلة وشبه المستقلة للدولة الإسلامية واعتمدت أساسا على سبق ترجمته من نصوص إغريقية في العصر الأموي مضافا إليه الهوامش والشروحات التي تراكمت من الفكر الإسلامي، فلغة الأندلس التي ابتعدت عن بارانويا السلطة امتلكت أدوات التطور بما ارتفع بسوية النصوص المترجمة، وفي الوقت الذي مهدت فيه السلطة العباسية لانحطاط اللغة العربية والدخول في عصر الأدب والكتابة المملوكية والعثمانية تاليا، انفلتت اللغة الأموية في الأندلس لتخلق نصوصا داخل النصوص، بما يفسر تطور أدوات الإبداع الأندلسية في جانبها اللغوي والفلسفي، ويرفد عصر النهضة الأوروبية بالمتون المؤسسة للفكر الإنساني، ولكن الترجمة كعملية حضارية وتاريخية تفترق عن منطق بضاعتهم ردت إليهم.

وإذا كانت مسألة الترجمة في موجتها الأولى العارمة والطموحة مثلت صيغة إنقاذية للتراث الإنساني، فإن الترجمة الاستقطابية العربية مثلت ضرورة في بدايات عصر التنوير، والتي استطاعت أن تعيد للغة العربية حيويتها وايجابيتها، وفي دراسة قديمة نشرها الشاعر واللغوي فاروق شوشة قبل سنوات في مجلة العربي الكويتية تتضح مدى الدور الذي اضطلعت به الترجمة في الهبة التنويرية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فأصبحت مصطلحات مثل (ذر الرماد في العيون) الذي طالما اعتقده الكثيرين يعود إلى العصور الجاهلية مصطلحا مترجما ومنقولا عن لغات أوروبية، ولكن الترجمة الاستقطابية عادت لتخفت أمام الهالة الاستفزازية للشوفينية العربية في صورتها القومية، لتصبح اللغة العربية التي تعد واحدة من أكثر لغات العالم انتشارا تضطلع بحصة متواضعة من الترجمة من لغات أخرى ومن ترجمتها هي ذاتها إلى لغات العالم الأخرى، تنبهت بعض الدول العربية إلى أزمة الترجمة في مرحلة مبكرة وبخاصة في صعود التيارات السياسية اليسارية، وأصبحت بيروت وبغداد مصدرين أساسيين للترجمات في العالم العربي بشكل كثيف يعيبه الارتهان لنمط أيديولوجي معين، ولكن مشروعات الترجمة القومية تحولت إلى مسألة وأولوية في بعض الدول العربية مؤخرا وبخاصة في التجربة التي قامت بها هيئة الكتاب المصرية وتجربة مجمع أبوظبي الثقافي.

إن مسألة الترجمة عن اللغات الأجنبية لم تعد خيارا أو رفاهية بل أصبحت بمثابة الضرورة التي يجب أن تتوجه لها ميزانيات حقيقية تعمل من خلال رؤية عقلانية في الاختيار والبحث وترتيب الأولويات، وتلك مسؤولية تفوق المقدرة الفردية والإمكانيات المحدودة لبعض المؤسسات التي تحمل رسالة حقيقية في ترجمة الفكر العالمي، ففي الأردن تغيب الترجمة وتصبح أولويات الآخرين وأجنداتهم مسلطة على الثقافة المحلية في الأردن، وليس من المعقول أو المقبول أن تمضي بعض التجارب الفردية كتجربة دار أزمنة للأديب الأردني إلياس فركوح في ظل الصعوبات المادية والتقنية في نمطها الدون كيخوتي تسعى بشكل فردي لتأسيس حركة ترجمة حقيقية وبناءة، فالمؤسسة الفردية وبرغم تفانيها واستقلاليتها تبقى محدودة في تأثيراتها عدا خضوع اختياراتها للرؤية الشخصية في النهاية، وكذلك العمل تحت مظلة حسابات الربح والخسارة التي طالما شجعت المئات والمئات من الترجمات التي اكتسبت سمعة تجارية على حساب الترجمات الحقيقية والمتخصصة.

في ضوء ذلك تبقى مسألة تبني الترجمة بصفتها أحد معايير الفعل الحضاري كأحد أدوات إحداث ذلك الفعل مسألة جديرة بالاهتمام، برغم أن زمن حركات الترجمة الكبيرة على النمط الأموي أو النمط اللاتيني في عصور النهضة قد ولى تماما، إلا أن التجربة اليابانية وحتى الصينية والكورية لاحقا في مسألة الترجمة تصبح نماذج صالحة للاقتباس وإعادة الاستهلاك عربيا ومحليا، فبالإضافة إلى حركة ترجمة استقطابية محمومة أعقبت الحرب العالمية الثانية، فإن حركة ترجمة منتجة انطلقت في الاتجاه الآخر لجميع لغات العالم عبر البوابة الإنجليزية وتلك مسألة أخرى.
سامح محاريق

SADOUN
Admin
Admin

انثى الجدي عدد المساهمات : 1173
تاريخ التسجيل : 03/04/2009
العمر : 29

http://www.facebook.com/Langue.Traduction

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى